السبت، 28 يوليو، 2012

رِحْلَةٌ إلَى دَارِ الهِجْرَة ومَنْزِلِ الوَحَيْ (1)


هنا مرّ جبريلٌ عليه السلام يتلو آيات محكمات. هنا سار أبو بكر تستحي منه الملائكة. هنا جلس ابن الخطاب عمر تفر منه الشياطين. هنا، روضة من رياض الجنة، فيها نفحٌ من عمر، وكلامٌ من أبي بكر وعثمانَ وعلي. فيها أثرٌ من عائشة حبيبة رسول الله.

أنا الآن في دار النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

أكمل سيري الآن وقد عادت روحي أربع عشر قرناً من الزمان تتعانق مع آياتٍ تتنزل الآن فتملأ المكان نورا إلهيا ما زال يضيء رواق الدار حتى هذه الساعة، وأسمع همسَ حديثٍ ليلي بين رجالٍ ملؤوا الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا وظلما. ما أشد سعادتي بوجودي في مسجد وبيت من أحببتُ من صغري، وما أشد دفء دموعي وهي تعجز عن كتمان دهشتها في أجمل لقاء بين الزمان والمكان أمام لوحة كتب عليها :"هُنَا السَلامُ عَلَى  رَسُولِ الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَم".


Prophet Mohammed Grave Mosque Medina
  

هكذا كان أول مشهد من رحلةٍ إلى دار الرسالة لتستمر المشاهد بعدها تترى.

أجلسُ الآنَ في الصفوفِ الأولى داخلَ المسجدِ النبوي، إلى جانبي يجلسُ رجلانِ يتكلما الإنجليزيةَ إلى جانبِ العربيةِ الفصحى بشيءٍ من الصعوبة، يمسك أحدُهما أوراقاً كالصحفِ القديمةِ كُتبتْ عليها سورةٌ منَ القرآن بخطِ اليد. تبدو بألونها الزاهيةِ وخطها المتقنِ أشبهَ بلوحة فنيةٍ رسمتْ في عهدِ الدولة الإسلامية الغابر. أتعرف عليه أنه من نيجيريا واسمه عمر، أو الحاج عُمَر كما يطلقُ على نفسه. يبادلني السؤال، فأخبره أني من القدس الفلسطينية، يباغتني صاحبه بأخذ بدي لتقبيلها مُذْ سَمِعَ اسمَ المدينة الأسيرة، ثم ينظر إلي بعينين فيهما الحزن والشوق، أفهم الحكاية كاملة قبل أن يرويها. إنه يحب القدس كحبه نفسه أو أشد حبا. يتابع حديثه، هم يتعلمون العربية في المدرسة ويحفظون القرآن أيضاً أكثر من العرب الذين ينطقون بلغة الكتاب، وقد أدْرَكَ ذلك 
من زياراته السنوية إلى جزيرة العرب  لأداء فريضة الحج كل عام.


Medina Mosque Masjed Nabawi

مشهد آخر كان في صلاة الوتر خلف إمام المسجد النبوي. يدعو الشيخ لخلاص المسجد الأقصى، وأن يجمعنا جميعا فيه، تهتز أروقة المسجد بصدى تأمين المصلين وبكاء الكثير منهم، كانت أصوات المسلمين باختلاف ألوانهم تمتزج بدموعهم مرددين كلمة "آمين" بعد دعاء الإمام "اللهم أقر أعيننا بخلاص المسجد الأقصى". أحس ثانية أن القدس تملك ملايين الأنصار في هذا المكان 
وحدَهُ وهُوَ دار الأنصارِ ومَقامهم.

هذه يثربُ، دار الهجرة الأولى، دار النصرة العظمى، هنا نُصر رسول الله يوم عز النَصير، هنا خرَج المسلمون من الشدة إلى الفرج، هنا تقاسم كل أنصاريٌ بيته وماله مع أخيه المهاجر. أدركت أيضا أن روح الأنصار ما زالت تحوم في كل شوارع يثرب ودورها، وأشاهد أهلها من أصحاب الملابس باهظة الثمن يتسابقون عند المغرب لإفطار أكبر قدر من الصائمين، هنا شاهدت قول الله "وفي ذَلِكَ فَلْيتَنَافَسِ المُتَنَافِسُون" واقعا جديدا بعد نزوله بأربع عشر قرن.



أصلي صلاة العصر الأخيرة لي هنا مودعاً كل رواقٍ من أروقة مسجد رسول الله، وكل شارع من شوارع مدينته المنورة، أودعها مع قول رسول الله: "رحم الله الأنصار، و أبناء الأنصار، و أبناء أبناء الأنصار"، ومع آخر قول لرسول الله في بيته :"اللهم الرفيق الأعلى"، هنا خُتمت الرسالة، وصعدت روح خير البرية، وبهذه الخاتمة أحزم أمري وأشد الرحال إلى مقام آخر، إلى مَهبط الوحي ومَنزل الرسالة، إلى خير بَيتٍ وُضِعَ للناس.

يتبع..