الاثنين، 6 أغسطس 2012

فِي البَيْتِ العَتِيقْ: (2)


المَشْهَدُ الأول: "حَوْلَ البَيْتِ العَتيق"


أنوارٌ على أنوارٍ، إناراتُ الإضاءة حول البيت العتيق، والكعبةُ أمامي خلف هذا السور، أمضي سائرا بحذر إلى أن زالت كل تلك الإنارات، يظهر الآن بينها نورٌ واحد يحجبها جميعا وينير ما حوله، تختنقُ كل الكلماتِ في نفسي، أكملُ سيريَ صامتاً مذهولاً، يرتفعُ البيتُ أمامي شامخاً مزهواً، والناس حولي طائفين وعاكفين وركعاً وسجوداً، أرددُ التلبية بصوت خافت، يضيق لساني، ويتسعُ صدري، وكأني في رحلةٍ خارجَ الدنيا التي عرفت، هنا خيرُ بقعة على وجه الأرض، وأنا أطوف في مسارٍ طافه إبراهيم الخليل عليه السلام من قبلُ، هنا طافَ الأنبياء، وطاف رسولُ الله في حجة الوداع، ثم خطب في الناس: "يا أيها الناس، إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد ، ألا لا فضل لعربي على عجمي ، ولا لعجمي على عربي ، ولا لأحمر على أسود ، ولا لأسود على أحمر ، إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ألا هل بلغت ؟ قالوا : بلى يا رسول الله".[1]

أرجع في الذاكرة مرة أخرى، وكتائبُ الفتحِ تدخل مكةَ تباعاً، الزبيرُ بن العوّامِ في كتيبة تدخل من "كِدَى" أسفلَ مكة، وأبو عبيدة في أخرى، وخالد بن الوليد على الميمنة، ورسول الله يدخل من "كِداءَ" أعلى مكة يضع رأسه تواضعا. لقد جاء نصرُ الله والفتح، والناس يدخلون في دين الله أفواجا. أنظر نحو الوادي، فههنا يجلسُ أبو سفيانَ يوم الفتح يرقب كتيبةً لا يُرى منهم إلا الحَدَقَ (سواد العين) من الحديد، يحدّثُ العباس بن عبد المطلب بجواره: "سبحان الله يا عباس، من هؤلاء؟". "هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار"، يتبع أبو سفيان: "مالأحد بهؤلاء قِبَلٌ ولا طاقة. والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما". [2] أما أنا فأسمع صوت مؤذن الحرم يؤذن لصلاة الفجر وقد أنهيت شوطي السابع من طواف البيت، أنظر عن يميني وعن شمالي، أفواج من دين الله تردد بصوت واحد "لبيك اللهم"، تصطف صفا قاطعا للصلاة، "إنها النبوة"، هكذا ختم العباس حديثه.

المَشْهَدُ الثاني: القُدْسُ وَالجَزَائِر


تعرفت هنا على صلاح الدين الجزائري، وصلاح الدين عاشق ولهان في مدينة القدس، يدرس التاريخ في جامعة ولاية غرداية، فكان حديثنا في التاريخ والحاضر، وبين الجزائر وفلسطين الكثير الذي يروى. واسم صلاح الدين أشهر الأسماء وأنبلها، بعد أن حمله يوسف بن أيوب محرر القدس ورادها إلى أهلها، وكلما أذكر يوسف بن أيوب ذكرت معه يوسف الآخر، الذي وحد بلاد المغرب، وأسس دولة المرابطين، وفوق ذلك كله وحد دويلات الأندلس وأزال حكم الطوائف، وصدَّ الفرنجة في معركة الزلاقة الكبرى، ذلك هو "يوسف بن تاشفين" الذي يجهله الكثيرون! هاتان قصتا المشرق والمغرب رسم صورهما اليوسفان وكان لنا أن نستعرض من على طابق المسجد الحرام العلوي روعة هذه الصور وما تحمله من طيات في الغد القريب وما بعد الغد القريب.

المَشْهَدُ الثالث: قُضِيَ الأمر


ينظر إلى هذا الهرم الأشم أمامه، يفكر قليلا، يمسك الكوب ما قبل الأخير بيدين حازمتين ويضعه في مكانه فوق سلالة هرمية مبهرة من الأكواب المتراصة، يأخذ شهيقا حادا ويختمه بابتسامة خفيفة وينظر إلي بعينيه البريئتين، يدير نظره إلى صنيعه الفسيفسائي مجددا فقد تحول إلى رماد هامد مرة أخرى، لا يبدي أي قلق على أي ملمح من ملامح وجهه الطفولي، سيجمع الأكواب مرة أخرى وأخرى ويعيد ترتيبها بصبر لم يأنفه كبار الحكماء، فهذا الطفل الحَلَبي لديه مرامٌ في هذه الليلة من العشر الأواخر من رمضان؛ أن يتم بناء هرمه هذا كاملا قبل طلوع شمس الصباح. أحدث نفسي قليلا حينها ولحظة كتابتي هذه، إذن هؤلاء هم أبناء حَلَبْ، وهذه عزيمتُهم. أفكّرُ قليلاً، قُضِيَ الأمرُ، وغداً سَيأتي اليقين.

المَشْهَدُ الرابع: "لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا"



في الليلة الأخيرة أُسَلّمُ على من تعرفت عليهم هنا، أودعهم وداع المنتظر، أجلس جِلستي الأخيرة مع صلاح الدين، كان الكلام قد قلّ في تلك الليلة، فقد طال التفكر بدلا. أنظر إلى عينيه وفي داخلي كل الأمل أني سأراه يوما ما مرة أخرى، نودع بعضنا، ونتفق على أن نلتقي مرة أخرى في بيت المقدس، فإن لم يكن، ففي البيت الحرام، فإن لم يكن، ففي دار النعيم، هكذا سألنا الله، ومضينا داخلنا الشوق لما مضينا منه. أصلي آخر صلاة لي ههنا، شاء الله أنها صلاة الفجر، وهي ذاتها صلاتي الأولى، أودع بعيني كل ركن من أركان البيت، وأتنقل بين عيون الصحابة يوم خطبة الوداع: "أيها الناس ، اسمعوا قولي ، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا"[3]، ثم ينزل جبريل بعَرَفة ومعه قول الله :"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينَاً"[4]، هنا أكمل دين الله، ونصرَ الله عبدَه، وصدَقَ وعدَه. أودع هذا البيت، وفيه الناس يأتون من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله. من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أكمل رحلتي.

Mekka Mosque Haram Great Photo 


[1] رواه جابر بن عبد الله، الألباني، صحيح الترغيب
[2] سيرة ابن هشام
[3] سيرة ابن هشام
[4] سورة المائدة: (3)



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق