الاثنين، 14 يناير، 2013

آرون سوارتز وأنونيموس: التّكنُولُوجيَا ثَوْرَة!


الخامس عشر من نوفمبر 2012

"إلى أهل غزة والأراضي المحتلة، اعلموا أن "أنونيموس" تقف إلى جانبكم في هذه المعركة. سنفعل كل ما بإمكاننا لردع قوى الشر التابعة للجيش الإسرائيلي الموجهة ضدكم.
سنكون معكم. على الرغم مما سيبدو الوضع مظلما، وعلى الرغم مما قد تشعرون به من الوحدة أو الضعف، اعلموا أن هناك عشرات الآلاف منا في "أنونيموس" معكم ويعملون بلا كلل على مدار الساعة ليجلبوا لكم كل عون أو مساعدة يستطيعونها.

إلى مضطهدي الشعب الفلسطيني البريء، لقد فات أوان توقع مجيئنا. 
(1)"



كان هذا بيان مجموعة "أنونيموس" إلى الشعب الفلسطيني المستهدف في غزة عشية الحرب التي شنتها آلة الاحتلال في ذاك العام. لم تمر ثوان على نشر البيان حتى امتلأت الأخبار العالمية بعشرات مواقع الانترنت الاسرائيلية تتساقط تترى أمام هجمات أنونيموس المخططة والضاربة حول العالم، وبثت رسائل دعم الشعب الفلسطيني في معركته على كل صفحة تم اختراقها، وحشدت ساحات التواصل الاجتماعي للدفاع عن ضحايا آلة القتل الاسرائيلية، وأصبح هاشتاج "OpIsrael" –الذي يرمز إلى اسم العملية ضد اسرائيل- متصدرا عالميا على موقع تويتر.

في يوم الحادي عشر من يناير 2013، وجد "آرون سوارتز" (26 عاما) مشنوقا في غرفته في ولاية نيويورك الأمريكية، وأعلن على وسائل الإعلام أنه قام بالانتحار.
آرون سوارتز ذلك الفتى ابن الأربعة عشر ربيعا شارك نخبة من خبراء الانترنت في إصدار خدمة RSS   ذائعة الصيت الخاصة بمواقع الانترنت والمكتوبة بلغة XML. بعد انهائه المرحلة المدرسية التحق آرون بجامعة ستانفورد الشهيرة، ولم يلبث فيها عاما حتى تركها لعدم إيمانه بالنظام التعليمي السائد، ثم أسس شركة Infogami للبرمجة، وشارك في تأسيس موقع Reddit  للمشاركات الاخبارية والاجتماعية، وكان من أبرز المشاركين والمنظمين في حملة مناهضة قانون SOPA التي أراد به المشرعون الأمريكيون تشديد الرقابة والسيطرة التامة على محتوى الانترنت وما يسمى بحقوق النشر، وكان عدم تمرير القانون نجاحا كبيرا له ورفاقه.

في مقالة له كتبها عام 2008، يقول آرون: "إن المعلومات قوة. لكنها مثل أي قوة، أولئك الذين يملكونها يريدون الاحتفاظ بها لأنفسهم. إن نتاج العالم العلمي والثقافي المنشور عبر القرون في الكتب والمجلات أصبح يتخزن رقميا بشكل تصاعدي، ويغلق عليه من قبل حفنة من الشركات الخاصة. إذا أردت أن تقرأ وثائق تحمل أشهر نتائج المعرفة عليك أن تدفع أمولا باهظة لإحدى هذه الشركات. (2)"
ثم أضاف :" إن توفير المقالات العلمية لأولئك الذين هم في جامعات النخبة من العالم الأول بينما منعها عن أطفال جنوب الكرة الأرضية أمر شائن وغير مقبول."
لقد قدم آرون في ورقته مطلبا لكل من يستطيع الوصول لهذه المعلومات أن لا يجعلها حكرا عليه، واقترح فيها أن يتم مشاركة كلمات السر مع من لا يملك الحق في الوصول، أو تنزيل المعلومات وإرسالها. إنهم يصفون هذا سرقة وقرصنة، وكأن مشاركة المعرفة أمر مكافئ لسلب سفينة وقتل ركابها. إن المشاركة ليست لا أخلاقية، بل هي أساس الأخلاق.
ثم ختم رسالته قائلا: "لا عدالة هنالك في اتباع قوانين غير عادلة. لقد حان الوقت للظهور إلى النور، والبدء بعصيان مدني، ولنعلن معارضتنا للسرقة الشخصية للثقافة العامة.
بالعدد الكافي منا حول العالم، لن نرسل رسالة قوية تعارض خصخصة المعرفة فحسب، بل سنجعل ذلك من الماضي. هل ستنضم إلينا؟"

بعد ثلاثة أعوام وقعت أم القضايا وأصعب مراحل حياة آرون، عندما قام بالوصول إلى 4 مليون وثيقة علمية من موقع JSTOR ونسخها في محاولة لنشرها حول العالم لتحقيق ما دعا إليه آرون رغم جور القوانين التي تؤمن بخلاف ذلك. وكانت هذه القضية التي كان سَيُبَتُ في حكمها الشهر القادم حيث طلب الادعاء اعتقال آرون 35 عاما ودفعه غرامة مليون دولار.
لقد شكل مطلب الادعاء صدمة كبيرة لآرون، ففي عالم القانون الموجود أصبح من يكافح لنشر المعرفة مجرما يستحق أشد العقوبات. هكذا ضحّى آرون سوارتز بحياته ليحلم بعالم أفضل تسوده مبادئ العدل لا قوانين كبار المستثمرين.

لقد حول آرون وغيره من حركة الوصول المفتوح أو مجموعة أنونيموس حياتهم إلى رحلة من القتال من أجل الحقوق الغائبة، حق المساواة، وحق الوصول إلى كل جزء من المعرفة، ومنع الاحتكار، ومنع الظلم أينما كان وممن صدر.
إن هذا الجيل من المبرمجين الثائرين أعادوا صياغة أهداف التكنولوجيا من أداة رأسمالية لتحقيق أكبر قدر من الربح المادي دون أي مساواة في الحقوق بين الناس، إلى أداة قتال في وجه الظلم والجشع واحتكار المعرفة، تعيد الحقوق إلى أصحابها، وتحول الشبكة العالمية إلى عالمٍ القويُ فيها ضعيفٌ حتى يؤخذُ الحقُ منه، والضعيفُ فيها قويٌ حتى يؤخذ الحقُ له.

Knowledge Is Free. We Are Anonymous. We Are Legion.

لقد أعادوا رسم خارطة العالم لتكون مركزيتها إنسانية الإنسان، ويبحث فيها الإنسان عن العدل مبدأ لا قانونا بشريا. اليوم يكمل أفراد "أنونيموس" حول العالم ما مات آرون لأجله، ويعلنون إطلاق عملية وزارة العدل الأمريكية "OpDOJ" والتي ستكون الهدف التالي حتى تحقق مطالب إصلاح النظام القضائي والقانوني.
رحل آرون عن هذا العالم، وأنا إن أنظر إلى أمه اليوم سأذكر أم شهيد فلسطيني فقدت ابنها على حدود القطاع عندما خرج يحمي أطفال قريته بجسده، هنا تتوحّد التجربة الإنسانية وتبصر في عين الأول قصة الثاني، وفي شهادة الثاني تضحية الأول. نودع آرون وندافع عن أسرانا، ونذكر يوم خذلنا الناس وتذكرنا أفراد "أنونيموس"، واليوم ستجمع شركات إعلام رأس المال عن "انتحار مجرم" ولكنّا سنمحو ما كتبوا ونكتب فوقها :
"نفسي الفداء لكل منتصر حزين، قتل الذين يحبهم إذ كان يحمي الآخرين. يحمي بشبرٍ تحت كعبيه اتزان العقل معنى العدل في الدنيا على إطلاقه يحمي البرايا أجمعين(3)




------------------

1- بيان "عملية إسرائيل" 2012 http://goo.gl/nqKlh ترجمة خاصة
2- مقالة آرون سوارتز في إيطاليا 2008 http://goo.gl/zi5KE ترجمة خاصة
3- تميم البرغوثي، نفسي الفداء

الأربعاء، 2 يناير، 2013

يافا وَجْهٌ آخَر

في العام 1939 يجلس أحد عمّال الميناء يراقب سفن البحر المتوسط ترسو هنا خفافاً وثقالاً، يضع آخر صندوق برتقال في مخزن هذه السفينة الإنجليزية بعد أن أحصى سفن اليوم. "خمسٌ وأربعون" ذلك كان عددها. يدوّن هذه المعلومة في ذاكرته جيّدا، فسيذكرها لاحقاً أمام جيلٍ آخر، لم يدرك من يافا ميناءها العربيّ، ولم يقابل بَحَّارتَها أصحابَ الحطّات البيضاء، حتى المدينة عرفها باسم غير اسمها صاحب صفة الجمال.
في يوم من أيام فلسطين كانت على هذه الأرض عاصمة البلاد الثقافية والاقتصادية، هنا مدينة المسارح والصحف والموانئ والمصانع. كانت تسمّى يافا في واقع الأمر، لم يكن هناك أثر لتل أبيبَ ولا لتل ربيعٍ على حد سواء.


jaffa port


من يافا إلى إسطنبول، وطهران، وبرلين، ولندن، وباريس كان البرتقال الذهبي يصدر فرادى وجماعات منذ العام 1865. وكانت هذه المدن وغيرها تستقبل سنويّا خمسة ملايين صندوقا من برتقالٍ أخرجته بيّارات يافا الفلسطينية.
يخرج صباحا من حي العجميّ عامل يافيّ آخر متوجهاً نحو مشغل الحديد الضخم الذي بدأ العمل به حديثاً في قلب المدينة، لم يكن يدرك أنّه سيتعرّف إلى  أصدقاء من مصر، وسوريا، والأردن، واليمن، والمغرب لمجرد انضمامه إلى عمّال هذا المشغل.
أخرج ليرة فلسطينية من جيبه ووضعها في يد سائق حافلة شركة العلمين اليافيّة، كانت تلك ثمن تذكرة الرحلة إلى بيروت حيث يتوجه هذا الطالب الفلسطيني برفقة العديد من الطلاّب والطالبات الملتحقين بجامعات بيروت. على صعيد آخر، كانت الطريق إلى القاهرة تحتاج لركوب قطار العريش-يافا عبر سكة الحديد التي وصلت المدينة بالقدس، وحيفا، وبئر السبع أيضا.
في مدينة يافا، لم تكن بحاجة لشراء الصحف لقراءتها، كنت تستطيع أن تذهب إلى أي مكتبة يوم الجمعة وتقرأ ما شئت من الصحف المحلية والعربية. أمّا عدد الصحف التي صدرت في يافا وحيفا في فترة الانتداب فقد بلغ"206"، أشهرهنّ صحيفتا فلسطين والدفاع. وبعيداً عن السياسة كانت أخبار محاصيل الزرع وإنتاج البرتقال في صحيفة "الأخبار المحليّة".
أحيت أم كلثوم عدة حفلات في هذه المدينة، وعرض يوسف وهبي عدة مسرحيات على مسارح يافا المختلفة، وكتب الأديب الفلسطيني نصري الجوزي العديد من النصوص الأدبية لتترجم كعروض مسرحية على مسارح يافا وغيرها. بجانب مقر السرايا الحكومية الذي أنشئ في العهد العثماني والذي ما زال قائما إلى اليوم كانت هناك سينما الرشيد الفلسطينية، إضافة إلى سينما الفاروق، وسينما الحمرا... إلى أن جاء يوم السادس العشرين من نيسان للعام ألف وتسعمائة وثمان وأربعين.
لقد وجدت عصابات الحركة الصهيونية في الحكايات السابقة أسبابا مقنعة لجعل المدينة الفلسطينية هدفا مركزيا لهجومها المخطّط. وكان الهدف إخماد الدور الإشعاعي الذي تلعبه المدينة مع أطرافها الريفية والقروية، وبالتالي القضاء على القيادة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الفلسطيني وقطع صلاتها مع باقي مكونات المجتمع بهدف تحويل المجتمع المترابط والحيوي إلى تجمعات ريفية متفككة لا تملك تقنيات الاتصال والقيادة على المواجهة.
وفي ذات الأثناء التي كانت العصابات الصهيونية تمضيها بهدم مكونات يافا ووجودها، كان جزء آخر من مؤسسة الاحتلال يعكف على بناء مدينة موازية تسرق كل البريق، وتحتكر كل الموارد. صادرت بحرها وميناءها، عشبها ورملها، بياراتها ومساجدها.. نُصِبت تل أبيب على الخارطة عنوة.
استمرّت حرب الاحتلال ضد المدينة الفلسطينية، وكان إنشاء ما سمّي بالناصرة العليا خطة استعمارية لوقف توسع مدينة الناصرة والسيطرة على مواردها البشرية، والاقتصادية. تكرّرت الروايّة في مدينة القدس، مُنعت رخص البناء والتوسع لأهلها في أحياء شرقي القدس، وفي المقابل أطلق العنانُ لتجمعات اليهود التجارية في غربي القدس وقرب شرقي القدس وحتّى في قلبها.


Hassan Beck Mosque Jaffa Tel Aviv

عدتُ إلى ميناء يافا، نظرتُ يمنة ويسرى، تكاد عيني لا تخطئ هؤلاء المآذن الثلاث على شاطئها، فرغم وحشية انتشار بنايات "تل أبيب" الشاهقة، تضيء مآذن كل من مسجد "حسن بيك" و"البحر" و"يافا الكبير" بالضوء الأخضر اللّامع، محدّثة كل سفينة قادمة من أعماق المتوسط: "هُنا يافا العربيّة.. ميناءُ فِلَسطين، وقلبُها النابض.. أسرارُ العاشقين، وأحلامُ المبدعين، وتضحيةٌ الشّهداء".  "- وَيْحكم." قلت لنفسي وقد ابتسمتُ من أعماقي، أخذتُ شهيقاً من هواء البحر، وتلاقتْ عيناي مع أمواجه، فككتُ رموزَ رسالةٍ ذُيّلت بتوقيعِ المقاومةِ الفلسطينية " إنّا عائدون مع "الفَجْر" ".
_______________________مصادر:
- وثائقي "اغتيال مدينة"، رامز قرموز. Jaffa, the Orange’s Clockwork ,Eyal Sivan