السبت، 16 مارس، 2013

مُلَّثَمو المَدينة



عند الحديث عن تفاصيل الحياة اليومية في مدينة القدس، تختلف طرق الوصول للمعلومة عن تلك التي يسلكها إنسان يسكن في رام الله عند سعيه للحديث عن نابلس، أو آخر يسكن في رفح عند حديثه عن جباليا، بل ستختلف أيضا في حالة من يسكن في الرباط عندما يبتغي الحديث عن بيروت أو أي مدينة عربية أخرى. فساكن رام الله قد يتملك صورة حية وحيدة عن القدس سجلها قبل 13 عاماً، وساكن الرباط لا يملك مثل تلك الصورة ولم يسبق له في حياته أن تعرف على شخص يملكها. وأصبح تشبيهُ مَحمود درويش عن بِلادِنَا بِفَكْرتِنَا عنِ المَجهول وَاقعَا مُتَجسدا بفكرِتنا عن بِلادِنا ذَاتها؛ ضَيِّقَةً وَواسَعة، لا حُدودَ لَها. وهنا تصبح الحاجة لتوثيق ما جرى ويجري ضرورةً، لا من باب الرفاهية التصويرية، ولكن من باب وجوب وصل الخطوط مع ما هي جزء منه وأصل لفروعه.

أستطيع بدء الحديث واثقا أن دوائر الاحتلال الأمنية كجهاز الشرطة بشقيه المدني وحرس الحدود، وجهاز الأمن الداخلي أصبحت تدرك يقينا التغيير الواقع في المدينة فيما يوصف من طرفهم بالوضع الأمني، وأن المدينة التي كانت تعد منطقة هادئة في ظل وسط مشتعل وموجع للرأس أصبحت قلبا باعثا لمحيطه بقصص المواجهة ومصدعا للرأس والأذن للحنجرة لضباط بشتى الأجهزة.


في هذه المدينة، كان مشهد المواجهة الشعبية مع الجنود غائبا منذ انقضاء الأسابيع الأولى لانتفاضة الأقصى الثانية. على الصعيد الشعبي، باتت المدينة غائبة تماما عن ردات الفعل بخصوص ما يجري من حولها، واستمر الوضع كذلك عدة أعوام حتى أنه في صيف العام 2006 أثناء عدوان الاحتلال القاتل على كل من لبنان وغزة تم إغلاق المسجد الأقصى بوجه المصلين فوق العمر 45 لِسِت جُمعٍ على التوالي عاشت المدينة حينها ركودا مستفزا لم يسجل فيها أي حالة مواجهة أو رفض لما يجري.

بدأ التحول مع بداية العدوان الصهيوني على غزة في نهاية العام 2008، حيث أعيد مشهد ضرب الحجارة ربما لأول مرة في المدينة منذ الأيام الأولى لانتفاضة الأقصى، بقيت ردة الفعل خجولة واستمرت بضعة أيام في بعض أحياء القدس.

في يوم السادس عشر من آذار للعام 2010، كانت المدينة على موعد مع يوم من أيام الانتفاضة الكبرى، أو بميزان أحداث المدينة معركة من المعارك الفاصلة، لأول مرة منذ عشرات السنين آلاف جنود الاحتلال من كافة القوات يقيمون الحواجز في كل ركن وزاوية، آليات وخيالة ومستعربون في كل مكان. على الصعيد الآخر، امتلأت أحياء المدينة عن بكرة أبيها بالشبان المنتفضين المتغطين باللثامات الغائبة حتى في مدن ومخيمات الضفة الغربية في تلك الفترة. الحجارة تنهال كالبَرَد على أفراد الشرطة، والملاحقات أشبه بأفلام الأكشن. حرب من الرصاص المطاطي وقنابل الغاز والصوت مقابل الحجارة وزجاجات المولوتوف في ما من المفترض أن يعرف بعاصمة الكيان المحتل وقلب سيطرته، هنا حيث الكاميرات في كل زاوية، والعملاء والمستعربون في كل حي. تعرّف الجيل الجديد من الفلسطينيين والعرب كافة على أسماء أحياء المدينة التي تصدرت نشرات الأخبار: "باب حطة، حارة السعدية، وادي الجوز، الطور، رأس العامود، سلوان، صورباهر".


كانت البداية قبل أسبوعين من ذلك اليوم، بدأت قوات الاحتلال بإغلاق المسجد الأقصى أمام المصلين تحت سن الخامسة والأربعين في غير أيام الجمع على غير العادة، في ظل اقتراب يوم "16\3" موعد افتتاح أكبر كنيس صهيوني داخل البلدة القديمة أطلق عليه اسم "كنيس الخراب" ، وهو ما تموله حكومة الاحتلال بشكل مباشر. وفي نفس الموعد أعلنت عدة جماعات صهيونية أنها ستقوم باقتحام المسجد الأقصى تزامنا مع إنشاء كنيس الخراب بنية البدء بمراسم إعادة الهيكل مكان الأقصى، وقامت بنشر الإعلانات في الصحف والمواقع. أمام هذه الأحداث، ردت عدة قوى بإعلان ذلك اليوم يوما للتعبئة والنفير من أجل الأقصى لمنع المجموعات الصهيونية من تحقيق مرادها.

توالت استفزازات الاحتلال للمقدسيين طوال الأسبوع الأخير من ذاك الموعد، وتم إغلاق الأقصى أمام المصلين على مدى أسبوع كامل، ثم امتد إغلاق الأقصى إلى إغلاق البلدة القديمة بالكامل أمام غير سكانها، مما أدى إلى شل الحركة التجارية للمحال المتواجدة داخلها. أصبحت البلدة القديمة ثكنة عسكرية كبيرة، وأصبح المسجد الأقصى ممنوعا على المصلين حتى من مدينة القدس، فيما فتحت أبوابه أمام السياح. كان هذا الاستفزاز والاعتداء ذروة ما استطاع تحمله أبناء المدينة، ففي هذا إهانة لكل وجودهم واعتداء على كل ما يملكون ويعرفون. تواصلت اعتداءات الاحتلال بظنها أنها هكذا ستقمع أي احتجاج ممكن أن يتولد في اليوم المنتظر، ولكن الغضب الشعبي كان أكبر من أن يقمع بآلاف الجنود، ورد المقدسيون على هذين الأسبوعين ردا بليغا أعاد تصويب البوصلة، وتعريف السيادة. أن لا سيادة على هذه المدينة ومقدساتها إلا لأهلها وأصحابها.

كانت هذه نقطة الانطلاقة فعلا، وكلما حاولت سلطات الاحتلال تمرير مناسبة صهيونية تستخدم ساحات المسجد لمستوطنيها رد المقدسيون عليهم بمواجهات أشد، وتحولت ساحات المسجد الأقصى إلى نقطة الصراع الأبرز. فيما تمكن الشبان من إيجاد آليات خاصة في المواجهة يتم فيها إغلاق أبواب المصلى القبلي التي يصعب السيطرة عليها وإبقاء باب أو بابين يتم التصدي للجنود من خلاله. وهناك لقي جنود الاحتلال إصاباتهم على أبواب المصلى القبلي للمسجد الأقصى، وفي أزقة باب حطة وحارة السعدية. أدركت سلطة الاحتلال أنها تفقد هيبتها وسيطرتها على هذه البقعة وكان لا بد لها من اتخاذ موقف جديد.

باب حطة - عدسة عطا عويسات

بدأت حملة اعتقالات واسعة في صفوف شبان البلدة القديمة، واستحدث وزير الحرب الصهيوني قرارا بحظر ما أسماه "تنظيم شباب الأقصى"، رغم عدم وجود تنظيم بهذا الاسم. ولكن الهدف كان إرهاب الشبان الذين يتصدون لقرارات الاحتلال، وتفريغ المسجد الأقصى كنقطة التقاء أو دفاع في وجه هجمات المستوطنين والشرطة. وقد تم اعتقال 11 شابا بأحكام تراوحت بين 6 أشهر والعام بموجب هذا القانون، وحتى بعد نيلهم حريتهم، تم إصدار قرار بمنع بعضهم من دخول الأقصى لستة أشهر أخرى، فضلا عن عشرات الاعتقالات الأخرى بتهم ضرب الحجارة وأحكام بالسجن لمدة 6 أشهر أو أكثر.

أما بلدة سلوان المحاذية لسور البلدة القديمة والتي أريد لها أن تتحول إلى تجمع استيطاني كبير يكون امتدادا لما أسموه بحائط "المبكى" فقد أضحى رمي الحجارة فيها على ثكنات الشرطة وبيوت المستوطنين نشاطا يوميا يقوم به الشاب بعد عودته من العمل، وطالب المدرسة بعد انتهاء دوامه، وبعد تناوله للعشاء، وباتت ليالي المستوطنين في البلدة أشبه بليالي سكان أشدود وبئر السبع أثناء الحرب بعد إضائتها واشتعالها بالألعاب النارية التي ظنها المستوطنون رصاصات كلاشنكوف وآر بي جيه من جبهات عدة.

سلوان - بعد تشييع جنازة الشهيد سامر سرحان 22-10-2010


ربما كان آخر المشاهد في يوم الجمعة الفائت المصادف لتاريخ 8\3\2013 حيث اقتحمت قوات الاحتلال ساحات الأقصى على هيئة ثلاث جبهات، وانتهى بها الأمر للانسحاب أمام ضرب الحجارة ومساندة الشبان المتحصنين بالداخل من قبل سائر المصلين المتواجدين بالساحات من شبان وشيوخ الذي رفضوا الانسحاب وترك من في الداخل وحدهم.

أثبتت أحداث المواجهة الأخيرة تغييرا واضحا في المعادلة. ففي الوقت الذي كانت لحظة اندفاع الجنود من باب المغاربة وسماع أول قنبلة نذيرا كافيا بإخلاء الساحات من كل المصلين، باتت قنابل الصوت والغاز تتساقط بين أرجل كبار السن وهم يركلونها باتجاه الجنود مجددا، وباتت الأمهات من قبة الصخرة تركضن نحو مسرح المواجهة لتقفن حائلا بأنفسهن أمام اعتقال أي من الشباب الملثمين. لقد استطاع المجتمع المقدسي أن يحقق تكافلا اجتماعيا متكاملا في وجه قوات الاحتلال الغازية، وأضحت حالة التصدي هي الأصل، والاحتلال ومن يهادنه هم الغرباء. أُسقطت أسطورة جندي القوات الخاصة في هذه الساحات أمام أول حجر، وأول مولوتوف. حتى ما كان يعرف بهيبة الشرطة والشين بيت والكاميرات والمستعربين لم يعد لها هنا أي اعتبار. وَرُبمَا كَانت الإجَابةُ الأَبْرز تِلكَ التي أَجَابت سُؤالَ البحثِ عن صاحبِ السِيادَة، وَقَارَبت الصُورة بين الاحِتلالِ على هذهِ البلادِ وجُنودِهِ في سَاحَةِ المُوَاجَهَة؛ عُبُورٌ قَصِير، وخُرُوجٌ إِجْبَاري.