الجمعة، 16 أغسطس، 2013

رابِعَةٌ الثَانية.. بينَ الدماءِ والخِيانَة

عدسة مصعب الشامي


تعود الذاكرة بي إلى يوم السبت السابع والعشرين من كانون الأول للعام (2008). كنت في البيت أثناء يوم عطلة، أمضي صباحي صامتا بين الدراسة والعزلة، لم أشأ أن احتك بما هو خارج البيت أو بما يأتي من هناك كي أبقى منعزلا في إطار ما أنا فيه. أصبحت الساعة قرابة الثانية عشرة والنصف من منتصف الظهيرة، وأخذت القرار المعتاد بفتح شاشة التلفاز لمدة لحظات؛ كنت أمام مجزرة الاحتلال في غزة شتاء (2008).


حلت الصدمة في الروح والجسد، مظهرا لم يكن مألوفا بعد حينها من عشرات الشهداء يملؤون المكان صراخا صامتا، وقاتل منتش يظن بتحقيقه لنشوة الانتصار بما فعل، ينتقل بين الفضائيات شارحا قوة إجرامه، واصفا إياه باستخدام كل ما يندرج تحت إطار الكذب. تشاهد حينها القنوات العالمية، تتوتر أنت من هول التغطية، تصوير علوي عن بعد لأعمدة دخان لا أكثر، وكأن ما يفجر هو مجرد أبنية من دون ترخيص، لا صورة ولا رواية ولا كلام عن بشر تسفك دماؤهم، ليس مطلوبا نقل ذلك. ثم يتبع تلك الصورة السريعة المتحدث باسم جيش القتل والإجرام لتزيين الصورة أكثر، والحديث عن سوء الضحية وحديثا مرسلا عن كارثية ما تؤمن به! وبالانتقال إلى وسائل إعلام عربية –وفق الفرضية وتحمل اسم "العربية" غالبا- فيتم هنا –خلال لحظات قصيرة- استجلاب أحد خصوم الضحية من إخوتها ومن يدينون بدينها للحديث عن سيئات أخرى لها لم يذكرها المتحدث باسم ذاك الجيش، وإتباعها بمقاطع دخول القاتل وتجواله في أرض الضحية حتى قبل بدئه بذلك، والحديث عن عملية إجرائية سريعة ستتم بعد قليل يتدخل بها الجيش المحترف للسيطرة على مطلقي الصواريخ وينسحب بأقل الخسائر.

تجلس بعد وقوفك كالملاكم الذي يجلس بعد الجولة الرابعة عشرة والضربات موزعات، خاليا من الشعور، فاقدا للفرح، قانطا من رحمة البشر. ماذا تفعل؟ من يحمي هؤلاء؟ من يوقف السفاح وجنوده؟ من سيُصمت الكاذبين أصحاب النفوذ الأكبر؟

وهنا تدور الذاكرة سائرة على قطار الزمن حتى تصطدم عند محطة توقف بنيت بنفس المخطط، ورسمت بنفس التفاصيل، وبتقاطع ملحوظ من حيث الشخوص. مجزرة رابعة العدوية الثانية، العسكر السافك للدماء، الباحث عن نشوة الهيمنة المطلقة. فظائع الناطقين المجرمين، وخيانات الصامتين المنتهين إلى هنا. وكان التشابه بين الحالتين من حيث الواقع والشعور الشخصي كبيرا لدرجة أنك باستطاعتك إعادة قراءة ما سبق لوصف ذلك في كلتا الحالتين.


الصورة بعدسة مصعب الشامي

قفزا إلى ما قيل بعد السفك ولربما كان ذاك القسم الأسوأ من الحكاية، فكان السيناريو في المرة الثانية (مجزرة سلطة الانقلاب) يدور عن أشخاص في الصف المضاد لسلطة الاحتلال والإجرام "إسرائيل". ومن المفترض والمعتاد أن هناك تناقض أخلاقي بينهم وبين هذا المجرم "إسرائيل أيضا في هذه الحالة". لكن الواقع تمثل بغياب تام "وواسع من حيث الأفراد" لمدة 24-48 ساعة عن الظهور أو التعليق، وهم من يعلق عادة في المنشط والمكره، والسراء والضراء. وقد يرجع سبب الغياب هنا إلى عدم وجود القدرة النفسية الكافية لإعلان التأييد -لحظيا- لسلطة الانقلاب الإجرامية، علما أنه تم الإشارة إليها بكثرة سابقا كرمز ناصري عظيم. والسبب الثاني هو استشعار الحرج –لحظيا أيضا- من تصويب سهام النقد للضحايا المستباح دمهم "الذين يمثلون لصاحب هذا الموقف الجهة الشريرة بالضرورة، والشريرة لدرجة الشيطان". فكان الحل البسيط وهو الاختفاء.

وتتم العودة بعد أيام معدودات، وينشر هؤلاء الأشخاص أنفسهم مقاطع تصويرية بعنوان "جرائم أعداء الإنسانية من جبهة النصرة في سوريا" أو "حرق مبنى للشرطة المصرية الوطنية" أو "تفجيرا في بيروت". والسؤال الأكبر ماذا بات تعريفكم للإنسانية من جهة والجريمة من جهة أخرى؟ وهل أنتم راضون عن هذا الدور في الدراما العلنية؟

ويُشاهد أيضا تعليقا على الأحداث ذاتها لأحدهم من خلال شرح ضرر الإعلان الدستوري لمرسي وعدم احترامه لقرارات المحكمة الدستورية احتراما كافيا. وهذا لا يشكل تعليقا هزليا فقط، ولكن يجعل صاحبه يوصم بأن كل ما سينطق به في المستقبل هو غالبا هراء لا يستحق المتابعة.

ولعل السبب في ذلك هو أولوية متمثلة بضرورة عدم خسارة أي موقف ليصب بزيادة "الرصيد الانتخابي للأناس الآخرين". واللفظ هنا مقتبس من إحدى التعليقات. وهذه –فيما بت أرى- ظاهرة موجودة في العالم العربي، يلجأ أصحابها إلى تمني الواقع كنموذج آخر من فترة الخمسينات والستينات، يكون فيه أثر الاتحاد السوفياتي أو حلفاؤه مفعما بالجو، واصلا للحكم، ممسكا بالإعلام. ولطالما يردد أصحاب هذه الظاهرة أن هذا الزمن هو الزمن الأسوأ، ولطالما يبحثون عن أي مشروع لرمز قريب مما سبق ليتم تقديسه وترويجه في وجه الشر القادم من الشرق، وهو في هذه الحالة ما يسمى بالتيار الإسلامي بشكل واسع. وهكذا يتم السعي الدؤوب للبحث عن مشروع الرمز، حتى لو كان "عسكر كامب دافيد" في بدلة ناصرية.

وبهذا تصبح هذه الأولوية هي الضرورة الكبرى وما دونها من وسائل وأهداف هوامش يجتهد بها قدر الإمكان كالقتل والحرق والإبادة الجماعية. ويصبح حماية مشروع الرمز دورا مشتركا لأصحاب تلك الرؤية، يذاد عنه بالكلمة الكاذبة والصورة المزيفة، ويضحى من أجله بالضمائر والأخلاق.

نصيحتي لمن غلب التناقض على حياتهم أن تتجنبوا مستقبلا استعمال مصطلحي "الضمير" و"الأخلاق" لأن ذلك يفضحكم، ونصيحتي الثانية أن تراجعوا دوركم في المشاركة في القضايا العادلة -كالقضية الفلسطينية- لإن ذلك يبرز تناقضا بشعا، ويطرح السؤال هل تناقضكم مع الاحتلال لما يمثله ويمارسه؟ أما ذاك كان موروثا عائليا أو اجتماعيا لم تمارسوا التفكير في جوهره؟

أما نصيحتي لمن ألقى السمع وهو شهيد أن تدعوا نظرتكم للناس القائمة على أساس التصنيف الأعمى والناتج عن أزمات نفسية سيئة، لتسهل عملية استباحة دماء من يُصَنفون كأشرار، وتسهل – ظاهرا- عملية الخيانة القاصمة. وأن تتركوا استبدال الظن باليقين، وأن تقدموا ما هو "روح بشرية" على ما "هوىً" يقتل أنفسكم ولا ينفعها.


"إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَىسورة النجم.